احياء التقاليد الصدامية / حافظ آل بشارة
مازالت الازمات التي تعصف بالعراق تساعد على اثارة الاسئلة حول قيمة التحول الذي حدث في البلاد بعد سقوط النظام السابق ، التحول الذي يستحق احترام العراقيين وهم شعب يوصف بأنه صعب الاقناع ، التحول يعني اختفاء أي صفاة مشتركة بين النظام السابق والنظام الحالي ، لكن
للاسف هناك لقطات صدامية بالفعل في سلوك بعض السياسيين والمؤسسات الراهنة ، واهم تلك اللقطات ان تجد سياسيين محسوبين على العراق الجديد وليس العتيق يمارسون اسلوبا صداميا في اسقاط المنافسين وتحطيم شخصياتهم بطرق غير اخلاقية ، ولا يتوقف الامر عند هذا الحد بل هناك لقطات اخرى اكثر خطرا مثل اعتبار الناس مخطئين والرأي العام مغرض ومتخلف ووجهة نظر الحاكم هي الأصح ، أما في الحقل الديمقراطي المباشر فهناك تطورات غير مرحب بها فقد حملت رياح الديمقراطية الى صحراء هذا البلد الحزين اشكالا مختلفة من الشخصيات المتنفذة والاحزاب والمجموعات والعوائل والعصابات وبعد أن هدأت العاصفة بدأت حمى الشخصنة ، فالأحزاب تذبل تدريجيا وتختفي شعاراتها واجنداتها لتظهر من تحت حطامها الشخصية المتورمة وما يحيط بها من هالة ودعاية فارغة مسببة للتقيؤ الجماهيري ، هذه الشخصنة التي تطوي تحت ابطها سجل التضحيات العراقية المتواصلة لتحوله الى مايشبه المجد الفردي تستعيد نموها السريع كالجرب الوطني العريق ، تبدأ مصاديق تلك الشخصنة تتناثر من المؤسسات الجديدة كما تتناثر النفايات النتنة من عربة الكناسين ، لافتة تقول هذا البناء هدية من المؤسسة الفلانية الى المواطنين ، وهذا المبلغ هدية من الوزير الفلاني الى أهالي المنطقة الفلانية ، وهذا التبليط هدية من المحافظ الفلاني الى الجماهير ، وتجد اللافتات منهمكة في ذكر الهدايا ، والمعروف عرفا وقانونا وشرعا أن الهدية تعطى من الملك الشخصي ومن يهدي شيئا من ملك الدولة فهو لص ويجب ان يعيد ما سرق ، أما اذا كان صاحب الهدية (يتكيرم) برأس الدولة و(يخمط) من المال العام ويهديه باسمه الى القوم فهذا تترتب عليه جرائم عديدة ، هذه الطريقة في التعامل تريد دائما جعل المسؤول أو المؤسسة في موقع المتفضل المستحق للشكر والناس في موقع الشحاذ ، بينما المؤسسات والمسؤولون من واجبهم الوظيفي القيام بهذه الأعمال وليسوا هم في موقع التفضل بل في موقع الخدمة المدفوعة الثمن ... ان شاء الله اذا صارت للعراق حكومة واذا اصبح لديه مجلس نواب واذا تعين له رئيس جمهورية وكان فيه قضاء مستقل سيراقب اصحاب الهدايا الثمينة التي يقدمونها الى الشعب متفضلين ومطالبين بالشكر ويستدعيهم ويشوي على آذانهم بصلا ليكونوا عبرة لكل من تحدثه نفسه بتقديم هدايا مماثلة . هؤلاء معجبون بأسلوب صدام ايام زمان عندما كان يعتبر حتى قدح الماء الذي يشربه الناس مكرمة منه .